الحياة من عيون هبة ابنتي ذات متلازمة داون

Date

2020/7/22

Profile pic

عمان - الأردن

لم أسمع صراخها .. لم أراها .. أخفوها عني .. أسأل عنها فأجد أعذارا .. متعبه أو نائمه  حتى بعدما  خرجت من المشفى لم أحملها و لم أرى ملامح الفرحة بعيون أحد! و عندما وصلت للبيت نظرت إليها فوجدتها جميلة، صغيرة الحجم و عيونها صغيره.. قبلتها و حضنتها وكلما جاء أحد يقول لي "بس انت ديري بالك عليها" أو "بكرا بتصير أحسن" لم افهم القصد أبدا! 

وفي ذات يوم ذهبت للمستشفى لإجراء فحوصات للدم ، وهنا سعيت بجهد لمعرفة لماذا هذه الفحوصات؟!  في هذه اللحظة نزل علي الخبر كصاعقة ضربت قلبي حين أخبرني والدها "إنها منغولية"، و في هذه اللحظة لم أقل شيء، شعرت أن الدنيا اسودت في عيناي .. كيف تكون طفلتي من متلازمة داون؟ ولماذا أنا؟ أغلقت باب الغرفة علي و بكيت بكاء شديدا، ليس لأنها متلازمة داون؛ بل لأن أول ماخطر ببالي هو: كيف سيكون مستقبلها؟ فأنا أخزن في ذاكرتي بعضا من صفاتهم مثل : عدم الكلام، الخمول عدم القدرة على الاعتماد على النفس و أشياء كثيرة دارت في عقلي.

كان قد أصبح عمرها أسبوعين و ها أنا أخرج من غرفتي و من نكراني و أجد جميع الأهل صامتون، لا فرحة في عيونهم. اقتربت منها، حملتها و قلت لهم هذه هديتي من الله و لن أرفضها، بل سأجعلها قوية تتحمل المسؤولية، ستكون مثالا لكل شخص يراها و دعوت ربي أن يمنحني القوة والحب؛ لأساعدها على مواجهة الحي

وبدأت رحلتي معها وقررت بأن تكون مختلفة كليا عن ما كان يدور في رأسي، أصبحت أفكر كيف أعاملها بحب، تعلمت الحركات التي توقظها فأدغدغ قدماها لتستيقظ، ألاعبها لتضحك وتناغي وأضع البيانو حولها؛ لتسمع وتنتبه للأصوات وتعودت ألا تنام كثيرا. كان هدفي أن أجعلها مثل إخوتها، فهي كانت الثالثة بعد أخ و أخت و لن تختلف عنهم، سأمنحها ما منحته لإخوتها.

أصبحت في الشهر الرابع تصدر أصوات،  وبعد ذلك اكتشفت بأن معها ثقب في القلب، و في كل شهر أذهب إلى المدينة الطبية للمراجعة بها، لكن ولله الحمد كلما ذهبت يقول لي الطبيب و يبتسم: ليست خطرة، سوف تغلق على السنة و أن نسبة ذكاؤها جيدة "بس إنت ديري بالك عليها"، كنت أفرح كثيرا عند  سماع  هذا الكلام، و صممت على نجاحها وتعليمها كل المهارات التي تحتاجها، و ها هي أصبحت تمشي على عمر السنة و نصف و تدخل الحمام و تعلمت نطق الكلمات و تصدر حروف بسيطة لكن لها معنى كبير. 

لن أتوقف هنا، فهذه كانت البداية فقط! 

حرصت على إظهارها أكثر وأكثر، رافضة إخفائها وتهميشها بسبب متلازمة داون، فأصبحت أختار الأماكن المزدحمة و أصطحبها معي إلى حفلات و أسواق و مستشفيات و رحلات، وحدثت معي مواقف كثيرة، منها ماهو مؤلم و منها ما هو مبهج. إلتحقت هبه سنتين بمدرسة حكومية و تم دمجها و حصلت على شهادة الصف الأول والثاني، و لكن للأسف لم ترغب في الرجوع إليها.

بعدها درست سنة في مركز خاص ونظرا لأنها لم تستفد بشكل كبير بدأت بالبحث عن بدائل أخرى تناسب امكانياتنا المادية. لم أجد خيارا سوى أن أعمل بنفسي من المنزل، كان قرارا صعبا ويشكل تحديات كبيرة ولكني قررت بذل كل ما استطيع من جهد،أظهرت هبة قدراتها في نواحٍ عديدة، فهي تتقن الأعمال المنزلية كالطبخ والتنظيف بحرفية فهي تعد كثيرا من الأطباق بنفسها كالسلطة و المعجنات ولف الدوالي، فهي تعد فطورا  كامل لنا بنفسها. 

بعد عدة سنوات، أتيحت لنا الفرصة للتعرف على أخت النافعين انتصار الخطيب التي أسست  مبادرة متلازمة داون معنا حياتنا لها معنى التي قمنا بالمشاركة معها في الرحلات و النشاطات و الندوات وكان لها الأثر الطيب على هبة في تعزيز ثقتها ودعمها. شاركت هبة أيضا في صحبة حلا فهي تضم عشر صبايا يقمن بصنع الحلويات و السلطات، و شاركت في ماراثون عمان و البحر الميت و شاركت في بازار عمان،.

بدأت تصنع مشغولاتها بيدها و كانت في قمة السعادة؛ لأن اليوم أصبح لديها صديقات تتواصل معهن شخصيا، وأصبح لديها صفحة على الفيس بوك و التيك توك، هي اليوم كالفراشة تحلق في كل مكان، الكل يحبها و أنا أعتز و أفتخر بها، فقد صنعت مكانة لها في قلوب من حولها وما زالت تبدع بالرسم و لها رسوماتها الجميلة بألوانها الزاهية.

أعتبرها قصة نجاح وتحدي، فكل يوم لديها نشاط رياضي للمحافظة على جسمها وأكلها الصحي تصنعه بنفسها، و تعيش أجمل اللحظات مع عائلتها و تقضي مع نفسها أوقاتا تستمع فيها ما تفضله من  الأغنيات وتعيش لحظاتها البسيطة والجميلة.

ومن أكثر الأيام المميزة في حياتها حين بدأت التدريب في مطعم Slow Burn فرع الزرقاء، و بدأت تشعر بأهميتها بأنها قادرة على العطاء، و ستثبت للعمل في المطعم  إن اجتازت التدريب بنجاح، و قد حصلت على هذه الفرصة من خلال برنامج سنا للعمل الذي يدعم تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية، ويوفر مدرب عمل يساعد في تدريب الشخص ذو الإعاقة لفترة ثلاث شهور وبعدها ينسحب تدريجيا حسب قدرات وأداء الشخص نفسه.

قريبا ستصبح هبه بعمر العشرين ويبقى داخلها بعض الأمنيات التي تتمنى تحقيقها كالسفر للمدينة التي لم تخرجها من خيالها "تركيا". ندعو الله أن يحقق لها كل ما تريد فشكرا لله على هذه النعمة التي نقولها دوما أنا و أولادي، ولولاها لما كانت حياتنا بهذه السعادة ولما تذوقنا حلاوة الفرح بوجودها.

و أقول لكل أب وأم  عندما يرزقوا بطفل من متلازمة داون لا تحزنوا  و تعتزلوا الناس، اقتدوا  بالنماذج الناجحة و الإيجابية و تعلموا منهم، و افرحوا بالنجاحات البسيطة، و رغم  العثرات والتحديات لا تيأسوا واستعينوا بالصبر، أولادنا صفحة بيضاء، نحن نرسمهم ونلونهم بأجمل وأزهى الألوان كما نريد .. لوِنوهم بالفرحة والأمل والفخر .. لتروْ فيهم لوحة مليئة بالحب و الأمل.

للتعرفوا أكثر على هبة اضغط هنا.

 

 

 

Date

2020/7/22

Profile pic

عمان - الأردن

يتكون فريق التحرير- منصة حبايبنا من أخصائيين في التربية الخاصة يعملون بعناية على توفير و مراجعة المحتوى المتخصص بالتربية الخاصة و التأهيل في بعض المقالات  و بعض تساؤلات الأهالي و المتابعين. كما يتم مراجعته من قبل مختصين في المجال للتأكد من صحة المعلومات المقدمة.  كما ينضم للفريق أحيانا متطوعين للمساهمة بكتابة المقالات الاجتماعية المتعلقة بقصص الأهالي و الأشخاص ذوي التحديات الذهنية.
 

اترك تعليقاً