قصة محاربتي الصغيرة

Date

2018/7/04

Profile pic

عمان - الأردن

أخت طفلة لديها شلل دماغي

كان يوماً عادياً -كما اعتقدنا- كلٌّ منا ذهب لأشغاله، أبي إلى العمل، إخوتي في المنزل يستمتعون بقضاء العطلة الصيفية، وأنا في المركز القرآنيّ. كل شيء كان على ما يرام إلى أن عرفت بأن أمي على وشك أن تلد! أختي "هديل" كما أرادت شقيقتي الصغرى تسميتها- قد وصلت، سوف تزداد عائلتنا شمعة صغيرة.

لم يكن موعد وصولها، مازالت أمي في شهرها السادس، لم أكترث حينها للولادة المبكرة ولا لتفاصيلها لأن فرحتي كانت عارمة بوصول أختي الصغيرة التي انتظرناها لأشهر وحلمت كيف سألعب معها وبدأت أخطط لمغامراتنا سوياً. ذهبنا للمشفى، وضع أمي كان مستقراً ولله الحمد رغم الولادة المبكرة، سألت أبي: أنا: أين هديل؟ بابا: في الخداج بابا؟ بدأت أسمع الأطباء وأبي يتحدثون أموراً كثيرة لا أفهمها، لكن تعابير وجوههم كانت مخيفة بعض الشئ، قالوا لأبي أن أختي هديل غير مكتملة النمو وتحتاج لعناية فائقة إلى أن تصبح أمورها الصحية مستقرة وتصبح قادرة على الخروج إلى هذا العالم. مرت الأيام والأسابيع، أذكر أنها قضت شهران في الخداج، كنت أترقب أخبارها كل يوم، أتلهف لسماع أنها تكسب الوزن ويكتمل نموها بشكل طبيعي المتلهف لرشفة الماء بعد صيام إمتد لأيام. أريدها أن تأتي معنا إلى البيت.

وذات يوم عدت من مدرستي وأنا تغمرني سعادة وراحة لا أعلم مصدرها، دخلت المنزل وإذ بأمي تبشرني بهذا الخبر السعيد: "هديل ستخرج اليوم من المنزل وستأتي لتعيش معنا"... يا إلهي كم فرحت! هذه الفرحة أجمل من فرحتي عندما عرفت نتيجة التوجيهي! سيطر الفرح على قلوب الجميع هو الفرحة العارمة حين دخلت بيتها، عروستنا الصغيرة، ما أجملها! حجمها لا يكاد يزيد عن حجم لعبتي الصغيرة! مضت الأيام والشهور، وكأي طفلة جديدة لأي عائلة؛ الجميع يلاعبها، الكل ينتظر مكاغاتها، نتجمهر جميعنا حولها عندما تصدر أصواتاً وضحكاتٍ جديدة. ياااه... ما أروع هؤلاء الكائنات الملائكية الصغيرة! كيف لهذه المخلوقات الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة أن تزيح الهم عن القلب بمجرد حركاتٍ بسيطة! مع كل يوم يأتي ومع كل شهر يمضي كانت هديل تزداد جمالاً وكانت تزداد مداعبتها لنا، لكن... ماذا عن حركتها! ها هو شهرها التاسع قد قارب على الإنتهاء ولا زالت أميرتنا لا تستطيع سوى رفع رأسها لبضع ثوانٍ، ولا تزال مستلقية على سريرها منذ أن أنارت بيتنا بحضورها. شكوكٌ وأفكار ومخاوف كانت في ذهني وأنا على يقينٍ أنه كانت لدى والديّ نفس المخاوف ولربما أكثر، "لا لا، إنها فتاة طبيعية لا ينقصها شيء، وصحتها بخير وهي كغيرها من الأطفال ولكل طفل له قدراته الخاصة… وكان تفكيرنا أنه " في صغار بيتأخروا بالقعدة متل ما في صغار بيتأخروا بالمشي" أفكار كغيرها كانت تأتي على أذهاننا لتُثلِج صدورنا من الحقيقة المرّة التي كنا لا نريد تصديقها!   " مصابة بشلل دماغي!" – قال الطبيب- وقعت هذة الجملة كالصاعقة على قلوبنا وكل جوارحنا.

"شلل دماغي!" بت أردد هذه الأحرف مراراً وتكراراً كي أستوعب ما قد تحمله من معاناة وألم! نعم!، شلل دماغي ناتج عن نقص الأكسجين عند الولادة؛ هذا ما قد أجمع عليه جميع الأطباء. الآن لا مفر من الحقيقة! لكن الأصعب هو معرفة ما تحمله تلك الحروف من معانٍ؛ المشي، الوقوف، الجلوس، تحريك الأطراف بسهولة، ولا أي من هؤلاء تستطيع القيام به بشكل طبيعي! قالوا أنها مع الإلتزام والمداومة على العلاج الطبيعي ستتمكن من القيام بكل شيء! ومرت الأيام والسنين وما زالت عروستي الصغيرة تتحمل الآلام وتمارس تمارينها مع كل معالجٍ يأتي لها، وبدل أن تنزل للعب في ساحة المنزل مع أطفال العائلة يوم الخميس، كانت تتلقى لجلسة العلاج!

 قد لايعلم الكثير منا عن الشلل الدماغي؛ لكن أحد المشاكل التي يسببها للطفل المصاب هو شدٌّ للأطراف سواء في اليدين أو القدمين أو كلتاهما معاً، مع إختلاف بين كل طفل وآخر حسب نوع الشلل عند كل طفل. أصبحت أعرف أكثر وعن قرب ماذا يعني أن تكون شخصاً ذو إحتياجات خاصة، وأصبحت أرى عن قرب التحديات التي يواجهونها ليس بسبب إعاقتهم، لكن بسبب المعيقات التي يفرضها المجتمع عليهم من عدم تقبل أو تهميش من التركيز على تحدياتهم دون النظر لقدراتهم أو كيف يمكننا تسهيل دمجهم في المجتمع. إن أختي والعديد مثلها لهم حقُّ الإندماج في المجتمع والإلتحاق بالمؤسسات وبالمراكز وبالمدارس مثلهم كمثل أي شخص على هذه الأرض، أذكر أنه في إحدى المراحل الدراسية من عمرها كنا نبحث لها عن مدرسة لكي تكمل تعليمها بعد أن أنهت الصف الثالث في إحدى الجمعيات المخصصة بحالتها.

لكم عانينا ولكم بحثنا؛ مدرسة ترفض لأنها لا تستطيع تحمل مسؤولية طفلة "عاجزة" -كما قالوا- وأخرى ترفض لأنها تريد تسجيل أطفال أصحّاء هم " أولى" منها!، وغيرهم الكثير الكثير! أحكام مسبقة وكلمات تخلو من الإنسانية. لكن أختي هديل جعلتنا نزداد إيماناً بأنه " لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس" بعد عدة محاولات جاء الفرج، وها قد دخلت أميرتي المدرسة وأوشكت على الإنتقال إلى المرحلة الإعدادية. أريهم مواهبك يا بطلة، فجري كل ما عندك، اثبتي جدارتك، أثبتي أنك قادرة على كل شيء، أثبتي للعالم كله بأنك في يوم ما ستكونين مثالًا يحتذى به. تحسنت هديل كثيرا واكتسبت مهارات حركية عديدة، تمكنت من أمورٍ لكم ظننا أنها لن تقدر على فعلها، تمكنت من الجلوس وحدها، والحبي لوحدها، أصبحت تتمكن الإمساك بأصابعها بشكل أفضل، وغيرها الكثير من الأمور التي تبدو لنا بالشيء البسيط… لكن مع ذلك كانت دوما تقول لنا: " يا ريت بقدر أركض مع صاحباتي بالمدرسة"، "يا ريت بقدر أمشي جنبك وأمسك إيدك"، " يا ريت بقدر أروح عالدكانة معهم" عملية البحث لم تتوقف عن تحسين حياة بطلتي الحبيبة، ولكم سعينا لأن نوفر لها كل السبل التي تُقال لنا؛ لعلها تكون سبباً في أن تدوس قدماها الأرض! كان أبي كالغريق الذي يتشبث بأي بصيص أمل يأتي له، لم يترك شيئا يعلمه دون أن يسعى وراءه لكي يرى ملاكه يركض أمامه! لا تحزن يا حبيبي، كنت أراك وأشعر بكل ليلة لم تنم فيها وأنت تفكر، في كل يوم قضيته وأنت تبحث وتسأل، في كل دمعةٍ نزلت من عينك خلسة خوفاً من أن تقلقنا، وفي كل ضحكة إصطنعتها لكي تبعث في نفوسنا الأمل والسعادة.

 

ذات يوم، كنت أتصفح "الفيسبوك" كعادتي حيث شدني فيديو يتكلم عن ملاك آخر صغير، محاربة تماماً كبطلتي، وكيف أنها ستخضع لتدخل جراحي سيمكنها من الجري بعيدا في حديقة أحلامها! يسمونها “SDR”، لم تصدق عيناي ما ترى ولا أذناي ما تسمع، رأيت هذه الأحرف وكأنها الساحرة الطيبة التي أتت لسندريلا عندما انقطع أملها بحضورها الحفلة. ستمشين يا أميرتي وستركضين وتلعبين وترقصين وستطيرين وستفعلين كل ما حلمتي به. بين هذه الأحرف “SDR” يكمن الأمل، يُشيَّع جثمان ألم سنين وسنين ويكتب ميلاد حُلمٍ لطالما حلمنا بتحقيقه، يا ترى هل كل ما يجري هو مجرد حلم! ترى هل فات الأوان؟ كل ما نظرت إليها وأرى كم أنها مازالت قوية، ما زالت تضحك وتلعب وتتعايش لتستمع بطفولتها رغم محدودية قدراتها الحركية والتحديات التي تواجهها من المجتمع تبقى واثقة، شجاعة،وصابرة… أذكر بأنني في عمرها كنت شديدة الخجل والخوف كحال بقية من هم في نفس العمر، أخجل من أدق التفاصيل، ومن سخرية الآخرين مني لأقل الأسباب.

هل تتوقعون من طفل عاجز عن الحركة الكاملة، يمشي باستخدام "الووكر" وحركة يداه غير مكتملة، حوضه مائل، قدماه لا تدوسان الأرض بشكل كامل، رغم كل هذا يمشي كالأسد في غابته! نعم! هي حبيبتي هديل! أذكر جيدا كما وكأن الموقف ما زال يحدث أمامي!، حيث كنا نتجول في إحدى المولات وبطلتي تمشي بمساعدة "الووكر" وتركض لكي تشتري ملابس العيد، كفرحة أي طفل! لكن من حولنا كانوا ينظرون إليها بشفقة وإستغراب نظرات ضايقتني أنا.

لقد طارت هديل وحلمها في السماء، حلّقت حاملة على ظهرها حقيبة آمالها، لتجري عمليتها المقررة في أمريكا، ركبت طيارة الأمل، الطيارة التي ستقودنا إلى بداية الفرج، بوركت يدا القبطان التان ستقودك نحو البستان الذي ستركضين به وتركضين دون كلل أو ملل، وبجانبك تلك النافذة الصغيرة التي أدخلت شمساً أدفأت قلوبنا! فيا ربي تمم شفاءها على خير وارح قلب كل من يبكي قلقاً عليها وعلى مستقبلها، اللهم آمين. فُتح الباب وأدخلت طفلتي غرفة العمليات، ها قد أوشك حلمنا أن يصبح حقيقة يا صغيرتي! دخلت ودخل الطبيب قبلها، لكن يا ترى هل من الهين عليك أن تضع حياتك وآمالك ومستقبلك بين أيدي شخص آخر! وما زالت رحلتنا في بداياتها...