حكايتي مع بان و متلازمة داون

Date

2020/8/29

Profile pic

عمان - الأردن

أساس طمأنينة القلب أن تعرف أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن… كانت مشيئة الله بأن أحمل وأنا في الأربعين من عمري، عرفت عن حملي في الوقت الذي كنت أظن فيه بأن عائلتي مكتملة وكان عمر أصغر أبنائي ما يقارب الثالثة عشر عاما، في البداية انتابني الخوف والإستغراب؛ لأن الحمل في سن متأخر له مخاطره كما كنت أسمع.

كنت أراجع الطبيب بانتظام لمتابعة حملي، و في كل مرة يطمئنني الطبيب بأن مولودتي ستأتي بصحة وعافية… أصبحت أعد الدقائق للقائها وكأني لم أعش الشعور من قبل، إلى أن حان وقت ولادتي و كان فجرًا فشعرت أنّها مباركة كما الوقت. بعد خروجي من عمليتي، كنت أطلب رؤيتها، في كل مرة يخبرني الطبيب أنّها على ما يرام، فشعرت بعدم الاطمئنان حتى جاءت الممرضة بها، وبمجرد حملي لها علمت أن مولودتي مختلفة، سكت لبرهة ولم أقنط، وأن تلك الهواجس التي كانت تعتريني هي تهيئة مسبقة لي و هنا تكمن حكمة الله، أقدارنا هدايا مغلفة ً لا نعرف ما بداخلها، فتفاءلوا خيرًا. 

أول ما فعلته أنني لم أسأل عن سبب مجيئها (متلازمة داون) و لم يكن مناسبا طرحه من الأساس، و قررت أن أنظر إلى ابنتي التي انتظرتها لتسعة أشهر، هي ابنتي لاشئ غير ذلك. احتضنتها بقلبي، ونذرت نفسي لها، لتنمو بصحة وعافية، وكان تفكيري منصبًا على أن أجعلها مختلفة بخُلقها وليس بخِلقَتها، وما ستتركه من بصمة في حياتنا وحياة كل من يراها، فقد كرست لها وقتي كله لمتابعتها طبيًا و أكاديميًا و دينيًا.

أروع مافي الحياة قلب الأب فهو هبة الله الرائعة، فمنذ نعومة أظفارها و هي تستمع لتلاوة القرآن و الأحاديث من أبيها حتى أصبحت الآن حافظة للعديد من السور القرآنية مهما تكن صعوبتها فذاكرتها قوية و سريعة الحفظ ولله الحمد، كما أتابع حالتها الصحية بشكل دوري والقيام بالفحوصات اللازمة لها لحياة أفضل.

      

"كل شخص هو بالضرورة بطل قصة حياته" و بان هي بطلة قصصها التي كنت أسردها  (بان و الدراسة، بان و الصلاة، بان و المدرسة، ثم الجامعة )، لم أقنط من رحمة الله أبدًا، لم أيأس بالتقدم و العطاء، لم أتوانى عن إدخالها مدرسة حكومية كما جميع الأطفال لتبني صداقة مع أقرانها و أن تكتسب الخبرات اللازمة للتعامل و الاندماج مع المجتمع و المدرسة و المعلمات و الصديقات. في البداية لم يكن أمر تقبلها سهلاً من قبل الإدارة والمعلمات بحجة عدم وجود معلمات مؤهلات للتعامل مع بان بالإضافة لعدم توفر غرف مصادر لتساعدها على التعليم، رغم محاولات إقناعي لهم بإعطاء ابنتي فرصة و عدم الاستعجال بالحكم     و القرار. 

خرجت من المدرسة و ابنتي معي و حرقة قلبي تعتصرني و دموع العين تذرف وكأن الدنيا ضاقت بنا، حاولت مرارًا و تكرارًا مع المدرسة إلى أن تمت مساعدتي بتسجيلها؛ لأن التعليم الدامج حق لأبنائنا …عدت بها إلى المدرسة و أصبحت تربطها علاقة ود ومحبة مع المديرة و معلماتها و زميلاتها، و كنتُ متابعة لها  في كل اجتماع للأمهات،و أُحضِّر لاختباراتها و كأنّها لي، و أتابع معها دراستها.

لم يذهب وقتي هباءً، فقد كبرت طفلتي لتصبح مثالًا يُحتذى به من قبل أقرانها، فهي تتصف بالأدب و اللطف و تحظى بمحبة كل من يراها، فها هي  طفلتي تكبر أمام عيني و على مقاعد الدراسة تتقن القراءة  و الكتابة  كباقي الأطفال.

ما يميز بان أذنها موسيقية و حبها للدبكة فهي سريعة الحفظ و حركاتها متقنة بتناغم الموسيقى، تحب الرسم، و تمارس الرياضة على جهاز كروتين يوميا حفاظا على وزنها.

التعاون صفة إيمانية و عطاء بلا حدود تدعمها روح الألفة. فبحكم عملي ممرضة قانونية كانت بان تشاركني بالعمل و خاصة في حملات التبرع بالدم فكانت تستقبل المراجعين بلطافة و تناولني المعدات مثل : المطهر و وحدة تعبئة الدم. بالإضافة إلى مبادرات الخير التي تقام في شهر رمضان فكانت توزع الماء و التمر  للسيارات و المارة.

حياتنا مع بان لم تكن سهلة، و لن تكون كذلك… لكن لن أتوانى يوما عن تذليل أي صعوبة قد تواجهها أو تعترض طريقها، لن أسمح لأي شيء بأن يحول دون تحقيق الرؤية التي رسمتها لطفلتي ذات يوم، سأواصل المضي قدمًا كي تبقى طفلتي مشرقة، متلألئة وأخاذة.

Date

2020/8/29

Profile pic

عمان - الأردن

يتكون فريق التحرير- منصة حبايبنا من أخصائيين في التربية الخاصة يعملون بعناية على توفير و مراجعة المحتوى المتخصص بالتربية الخاصة و التأهيل في بعض المقالات  و بعض تساؤلات الأهالي و المتابعين. كما يتم مراجعته من قبل مختصين في المجال للتأكد من صحة المعلومات المقدمة.  كما ينضم للفريق أحيانا متطوعين للمساهمة بكتابة المقالات الاجتماعية المتعلقة بقصص الأهالي و الأشخاص ذوي التحديات الذهنية.
 

اترك تعليقاً